ماذا لو لم تتدخل إيران في العراق؟

حميد الكفائي - كاتب وأكاديمي عراقي

لم تستطع إيران أن تؤثر في مجرى الحياة العراقية تأثيرا يذكر إلا بعد الغزو الأميركي له عام 2003. في السابق كانت تحاول توسيع نفوذها عبر استخدام وسائلها المعروفة وهي الدين والمذهب وربط الشيعة في العالم بها، لكنها لم تفلح، لأن هناك دولة عراقية متماسكة عمرها سبعة آلاف سنة وهوية وطنية عراقية راسخة.

لكن محاولات إيران وأتباعِها تحويل العراق إلى تابع لها بشكل من الأشكال لم تتوقف، إذ ظل الإيرانيون يبذلون جهودا حثيثة في هذه الاتجاه وكأنه هدف استراتيجي إيراني طويل الأمد، وهو كذلك على ما يبدو، إذ واصلوا شن حروبهم المباشرة وغير المباشرة، عبر التضليل والتحريض وخلق البؤر الرخوة باستخدام سلاحي الدين والمذهب، في العراق ودول المنطقة.

ولكون إيران بلدا مكونا من خمس قوميات غير متجانسة ثقافية ولغويا، حاول الإيرانيون عبر السنين أن يوحدوا بلدهم عبر تطوير هوية وطنية جديدة جامعة، ظاهرها مذهبي وحقيقتها قومية فارسية، وقد ركزوا على تبني الهوية الشيعية داخل إيران من أجل إخفاء الهيمنة الفارسية على البلد الذي يشكل مواطنوه الفرس 40 بالمئة فقط من سكانه، بينما يشكل الأذربيجانيون الترك والعرب والأكراد والبلوش النسبة الباقية.

نجحت مساعي قادة إيران في استيعاب الأذربيجانيين وجعلهم يتبنون الثقافة واللغة الفارسيتين، وتمكنوا أيضا من قمع القوميات الأخرى بالقوة وعبر التهميش والتجهيل وقسرهم على استخدام اللغة الفارسية بدلا من لغاتهم القومية،، لكنهم فشلوا في تحويل العراق إلى ساحة نفوذ إيرانية، لأن هوية العراق راسخة، على رغم التنوع الثقافي والقومي والديني، الذي لم يكن يوما عائقا أمام قيام دولة قوية، بوجود قانون يطبق بعدالة على الجميع. وحتى الكرد الذين سعوا إلى تأسيس دولة مستقلة في مناطقهم، عادوا إلى هويتهم العراقية كلما تعرضت السيادة العراقية إلى الخطر كما حصل عام 1996 عندما دعمت إيران طرفا كرديا ضد آخر في محاولة لإضعاف إقليم كردستان.

لكن الذي ساعد إيران على تحقيق مآربها في العراق، دون قصد طبعا، هو النظام العراقي السابق الذي لم يجد حلا لمشاكله مع الشعب إلا عبر العنف والتغييب والتهجير والقمع، فاضطر عراقيون كثيرون، من كل الشرائح والتوجهات السياسية، بما فيها حزب البعث، إلى الالتجاء إلى دول أخرى بينها إيران، هربا من قمع النظام الاستثنائي وغير المعهود في الدول الأخرى.

وقد مكَّن هذا الوضع إيران من تجنيد بعض العراقيين وإيهامهم بان إيران هي بلد الإسلام وبلد الشيعة تحديدا، وأن عليهم أن يدافعوا عنها ويعملوا لصالحها حتى وإن كان ذلك ضد بلدهم لأن إيران تمثل “بيضة الإسلام” ولأن حكومة بلدهم ليست إسلامية. وعبر هذه الأساليب المدروسة تمكنت من تفتيت الهوية العراقية عند هؤلاء واستبدلتها بالهوية الشيعية.

وعندما تصبح الهوية شيعية، يصبح زعيم إيران هو القائد المطاع لأنه زعيم أقوى دولة شيعية، ولأنه “ولي أمر المسلمين” كما يُشار له في الإعلام الموالي، وكذلك تصبح الأراضي العراقية مستباحة لأنها تابعة لدولة الإسلام الشيعية التي ينضوي تحت لوائها الشيعة جميعا حسب نظرية ولاية الفقيه الإيرانية (المرفوضة أساسا في الفقه السياسي الشيعي التقليدي).

ومع كل هذه الجهود الحثيثة ظلت إيران تحارب العراق من الخارج ولم تتمكن من التأثير في الداخل العراقي، لا في أفكار العراقيين السياسية أو الدينية ولا في إيمانهم الراسخ ببلدهم أو هويتهم العراقية. إلا أن الغزو الأميركي وإسقاط الدولة العراقية قد سهل مهمة إيرن التي كانت عصية على مر الأزمان. فعندما قام الأمريكيون بحل الجيش والشرطة وسنّوا قانون الاجثاث الذي طال معظم قيادات مؤسسات الدولة، أصبح العراق بلد مستباحا، فليس فيه جيش ولا شرطة تحميه، ولا مؤسسات قوية تؤكد هويته وتعزز إيمان المواطنين به.

وكانت تلك فرصة مواتية لإيران كي تنفذ مشروعها الرامي لتفتيت العراق واستبدال هوية سكانه بهوية أخرى تجعل من زعماء إيران قادة لهم. وبسبب عدم إدارك الأمريكيين عمق المخطط الإيراني وخطورته، فإنهم لم يفعلوا شيئا، بل إنهم سهلوا، دون قصد، مهام الجماعات السياسية والعسكرية المرتبطة بإيران ودعموها وسلموها السلطة بينما عرقلوا مساعي الآخرين المطالبين بدولة عراقية ديمقراطية قوية.

لقد أتى الأميركيون بشخص جاهل تماما في الشأن العراقي، حسب اعترافه، ونصبوه مؤسسا للنظام الجديد، وهو بول بريمر. ولحقوا ذلك بتشكيل حكومة غير متجانسة تفتقر إلى القدرة والبرنامج الوطني لتوحيد الشعب وبناء دولة حديثة.

وبحلول عام 2011، خرج الأميركيون من العراق، مع انتخاب باراك أوباما رئيسا، الذي كان قد وعد الشعب الأميركي بإخراج القوات الأميركية من العراق، لكنهم قرروا الإبقاء على وجود عسكري إن أراد العراقيون ذلك.

اجتمعت القوى السياسية العراقية جميعها وتباحثت حول الوجود العسكري الأميركي في العراق ولم يجرؤ أحد على المطالبة بإبقاء جزء من القوات الأمريكية، مع علم السياسيين بأن العراق غير قادر على درء الأخطار الخارجية المحدقة به بسبب الضعف البنيوي في الجيش وتعدد الولاءات السياسية والدينية بين القوى الأمنية عموما. القوى الموالية لإيران كانت لها مصلحة كبرى في إخراج القوات الأمريكية لأنها تسعى لأن تحل محلها وتكمل المخطط الإيراني بتفتيت العراق، أما القوى الأخرى فخشيت أن تتهم بالتبعية للأجنبي وانعدام الوطنية، بينما لم تكترث القوى الكردية للأمر لأنها تتمتع بعلاقات وطيدة مع الولايات المتحدة ولأن قواتها العسكرية والأمنية تسيطر على الإقليم، فأصرت القوى السياسية على مطالبة الأميركيين بالمغادرة وكان هذا ما أرادته إيران، وتماشى أيضا مع سياسة الإدارة الأمريكية الجديدة.

غادر الأميريكيون وأصيب رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بالغرور فأخذ يتصرف بدكتاتورية وعنجهية كانتا خفيتين في ولايته الأولى، متجاهلا القوى السياسية جميعها ومعتمدا بالدرجة الأولى على تأييد إيران والقوى التابعة لها. حاولت القوى السياسية العراقية أن تتخلص منه عام 2012 في محاولة لسحب الثقة إذ وقّع 181 نائبا على سحب الثقة منه لكن الرئيس الراحل، جلال طالباني، المقرب من إيران، خضع للضغوط الإيرانية ولم يسمح بتمرير إجراء سحب الثقة، مفتتا بذلك العملية الديمقراطية للمرة الثانية، بعد رفضه تكليف الفائز في انتخابات عام 2010، أياد علاوي، بتشكيل الحكومة. وكنتيجة لهذا التجاوز على مبادئ الديمقراطية، ثار العراقيون في محافظات عراقية عديدة لشعورهم بالغبن والتهميش والتمييز، ما مهد لسيطرة تنظيم داعش الذي سيطر على ثلاث محافظات، شمالي وغربي البلاد، وأجزاء من محافظات في الوسط والشرق.

ومع انهيار القطعات العسكرية المرابطة في الموصل، في حادثة مازالت غامضة، وإلا كيف يمكن أن تنهار قوة عسكرية تعدادها ثمانون الفا امام جماعة إرهابية لا يتجاوز عدد أفرادها 3000 مسلح، اضطر العراق لطلب المساعدة من دول العالم لدرء الخطر المحدق به، فدخلت إيران “لمساعدة” العراق، بينما قدمت الولايات المتحدة دعما جويا واستخباراتيا.

وخلال هذه الأزمة، أسس نوري المالكي (الحشد الشعبي) وتبع ذلك فتوى المرجع السيستاني للجهاد ضد داعش. استغلت إيران هذه الفتوى لتأسيس عشرات المليشيات التابعة لها وانضوت تلك المليشيات في “الحشد الشعبي” الذي أقر البرلمان قانونا يجعله مؤسسة رسمية. وبعد تولي حيدر العبادي رئاسة الوزراء، بقيت المليشيات مستقلة عن الدولة، رغم أنها رسميا جزء من المؤسسة الأمنية، وظل قادة المليشيات يتصرفون خارج نطاق الدولة، فانتشرت صور خامنئي في العراق وازداد عدد الاغتيالات بين المثقفين والصحفيين والناشطين. لم يتمكن العبادي من السيطرة على المليشيات رغم محاولاته حصر السلاح بيد الدولة.

مشكلة العبادي أنه كان ضعيفا تنظيميا، إذ جيء به على عجل لسد الفراغ بعد إقالة المالكي بنصيحة من السيستاني، ولم يكن مستعدا للاضطلاع بمهام إدارة الدولة. وفي انتخابات 2018، جاء العبادي بخصومه السياسيين الموالين لإيران وأدرجهم ضمن قائمته الانتخابية، في إجراء لا يفعله نبيه، ففازوا بأصواته وبسبب شعبيته، لكنهم انقلبوا عليه في اللحظة المناسبة، كما كان متوقعا، وانشق عليه نصف نوابه، لذلك لم يستطع البقاء في منصبه. وبعد إعادة التموقع السياسي، تمكنت القوى التي تدعمها إيران من تشكيل الحكومة برئاسة عادل عبد المهدي الذي أصبح أضعف “زعيم” عراقي منذ مؤيد الدين بن العلقمي الذي سهل احتلال هولاكو للعراق.

في عهد عبد المهدي، أصبحت المليشيات تصول وتجول وتقتل وتختطف دون حسيب أو رقيب، واستشرى الفساد وأصبحت المناصب تباع وتشترى. إزاء هذا الوضع المزري، لم يستطع العراقيون معه صبرا فتظاهروا سلميا، وهو حق أتاحه الدستور، لكن المتمسكين بالسلطة واجهوهم بالحديد والنار وقنابل الغاز فقتلوا 150 متظاهرا خلال الأيام الخمسة الأولى. هذه المجزرة حفزت المزيد من العراقيين على التظاهر وعدم الانصياع لأتباع الولي الفقيه الذين أوغلوا بقتل العراقيين الرافضين لهم. المتسلطون لا يفهمون كيف تتصرف الشعوب الحرة، فالقتل دائما يزيد الناس إصرارا على المواجهة، لذلك لا يلجأ إليه إلا الحمقى.

لو لم يكن هناك تدخل إيراني لاستقر العراق وتطور الحكم الديمقراطي فيه وأزيل الفاسدون عبر صناديق الاقتراع، وتنافس المتنافسون من أجل خدمة الشعب. لكن الذي حصل أن التنافس قد أصبح، ويا للعار، على كسب رضا الولي الفقيه المحاصر إقليميا ودوليا، فتسلق السلطة من كان مستعدا للتعاون معه على إضعاف العراق، وبقي ذليلا أمامه، بينما استأسد على أبناء شعبه العزل. ويقدر مراقبون عدد الذين قتلتهم المليشيات والقوى الأمنية، بحوالي الألف، وحتى وزارة الكهرباء (تعاونت) في هذا الجهد (الوطني) فأطفأت النور في منطقة الخلاني يوم 6\12\2019 فتمكن الملثمون، الذين استخدموا عجلات رباعية الدفع تابعة للدولة، من قتل 80 شابا متظاهرا تحت جنح الظلام، بينما تجاوز عدد الجرحى في هذه المعركة الحامية الوطيس بين العراقيين وحكومتهم (الديمقراطية)، العشرين ألفا خلال شهرين فقط .

لم يتردد المسلحون في اختطاف النساء المتظاهرات والممرضات والطبيبات اللائي كن يساعدن في علاج جرحى المحتجين في حوادث لم يألفها المجتمع العراقي في كل العصور، ما يعني أن هؤلاء عديمو الأخلاق والدين والمشاعر الإنسانية، وهمهم الأول هو البقاء في السلطة. لقد اصبح عذر الحكومة بأن “جهة ثالثة” تقتل المحتجين، مزحة سقيمة. الغريب أن هذه “الجهة الثالثة” تقف دائما مع الحكومة وتقتل خصومها!

آن الأوان للعراقيين الذين مازالوا يعتقدون بأن إيران قوة للخير أن يعيدوا حساباتهم. إيران لا تريد دولة في العراق، بل تريده مساحة خلفية تابعة لها، تستخدمها لتصريف بضاعتها وتنفيذ مآربها والانطلاق منه لتخريب العالم العربي باسم الإسلام، وهذا لن يرتضيه أي عراقي سوى القلة الذين تخلوا عن هويتهم العراقية.