ما بعد العاصفة!

كان يوليوس قيصر في جنوب بلاد الغال (فرنسا) عندما تلقى إنذاراً من الشيوخ المتعاطفين مع خصمه “بومباي”، بأن عليه أن يحل جيشه. لم يكن تحت إمرته غير قوة من 5000، إذ كانت أعظم كتائبه في شمال الغال، ومع ذلك فقد جمع ضباطه، وقال “فلنرمِ النرد، لم يعد بالإمكان تغيير المصير”. وعبر برجاله نهر رابيكون عائداً إلى روما، وارتعد الشيوخ وانتصر قيصر.

نحن رمينا النرد هناك قريباً من روما اليمانية، ولم نعبر النهر، لم نصل صنعاء.

مضت سنة على ستوكهولم، ولم ينتج عنها سوى استقالة خالد اليماني، وتعاقب 3 جنرالات للإشراف على تنفيذ ما يخص الحديدة، وإفادات من المبعوث الأممي المحترم لمجلس الأمن، مفعمة بالتفاؤل. وأوشكت عاصفة الحزم تطوي سنتها الخامسة، وهي عاصفة بالفعل، ولكنها عاصفة هوجاء لم تحزم ولم تحسم. كانت زلزالاً خلف وراءه دماراً ورماداً وجثثاً ملأت البراري، وأشلاء تطايرت في السماء، ودماءً سالت، ودموعاً انسكبت.

بعد السنة الخامسة سوف تهدأ العاصفة، كما يبشر المبعوث المحترم ومسؤولون في الدوائر الغربية، وكما يفهم من تصريحات مسؤولين سعوديين لانت لهجتهم مع الحوثي، ومالت إلى الخشونة تعاملاتهم مع المسؤولين في الحكومة اليمنية.

كان الهدف المعلن من الحرب هزيمة الحوثيين، واستعادة الدولة تحت قيادة الرئيس المنتخب عبد ربه منصور هادي. وهناك بالطبع أهداف أخرى للتحالف، لأن الدول لا تتطوع وتبذل الدماء والأموال كرماء للعيون والخواطر.

سأخرج قليلاً عن السياق، وأقول إن جمال عبدالناصر لم يرسل جنوده إلى اليمن بدافع أخلاقي مجرد، كما لم يدعم حركات التحرير في أفريقيا والعالم العربي بهذا الدافع وحده، وإنما لإدراك ضرورات الأمن القومي المصري، ومقتضيات حمايته، والإيمان بأن مصر جزء من الأمة العربية، وأنها بالجغرافيا دولة أفريقية. ينطبق الوصف على الاتحاد السوفيتي الذي أعطى بلا حدود لإسناد حركات التحرر، فقد كان هذا الدور جزءاً من معركته مع الامبريالية. كذلك الصين في بعض الأوقات، فيتنام وكوريا وكمبوديا.

ثمة فارق جوهري بالتأكيد بين دعم حركات التحرير الوطني، وبين التدخل لتحقيق مطامع مادية حركت القوى الاستعمارية بالأمس وتحركها اليوم.
وأما عن الدافع وراء تدخل دول التحالف الذي أنشأته وتقوده المملكة، فلا أرى في أعين من اتخذ القرار متطلبات اقتضاها الأمن الإقليمي أو الأمن القومي العربي، لأن مسار التاريخ القريب لا يعكس الوعي باتصال وتكامل أمن هذه الشعوب، وبوحدة مصيرها. ثم إنه يتجاهل مصادر خطر أخرى غير ذلك القادم من إيران، أو أنه يعتقد أن هذا القادم الجديد داهية ولاعب ماهر على وتر الطائفية الحساس، ونافخ في نارها من رئة واسعة، بينما يظن الأخطار الأخرى، وأولها القادم من إسرائيل، ليست حالة أو قريبة. كذلك تمثل الهدف الأعظم من الحرب في رد الخطر الإيراني، ودون أن يذهب سوء الظن بوجود أهداف أخرى مضمرة، فإن الظاهر أن الفشل في إدارة الحرب قد يدفع إلى اختيار أهداف لم تكن في الحسبان.
وإنما لماذا كان هذا الفشل الذريع؟
أول الأشياء عدم وجود قيادة موحدة للحرب.

إن القيادة المنقسمة من أهم أسباب كبريات الهزائم في التاريخ. ولقد تلقت 5 امبراطوريات (الروسية والنمساوية والعثمانية والفرنسية والبريطانية) هزيمة ساحقة على يد فريدريك العظيم، وحقق نابليون بونابرت نصراً باهراً على امبراطور النمسا وقيصر روسيا، في ساعات قليلة، وبجيش لا يبلغ نصف جيشهما. صحيح أنها عبقرية بونابرت وعقله الذهبي، ولكن أيضاً وحدة القيادة.

وفي الحرب الثانية وضع الحلفاء على رأس جيوشهم قائداً واحداً، هو داويت أيزنهاور، ولم يكن هذا شأن المحور، أما جوزيف ستالين فقد أسقط أهم المبادئ اللينينية، وقال لرفاقه في الحرب إن هناك قائداً واحداً. كان ذلك بعد أن مزق هتلر المعاهدة بينهما، واجتاحت جيوشه أراضي شاسعة في الاتحاد السوفيتي.
في العاصفة توزعت القيادة بين الداخل والخارج، وبين الواقفين على رؤوس السلالم، بل إن تعدد السلالم شوه الصورة، وكسر محتواها، فقد ظهرت وحدات محترفة، وأخرى شكلت على عجل ببنية غير منضبطة وملمح مليشياوي.

إن واحداً من أسباب الهزائم العسكرية في التاريخ، هو الجيش المرتزق. هؤلاء يحتفظون بدروعهم ومحافظهم، ويبيعون سيوفهم وضمائرهم.
قد أزيد أن القيادة السعودية خططت للحرب، وهي ترى الأهداف، من غير أن تتأكد من الوسائل، وأوثق اليقين أنهم راهنوا على جيوش التحالف الذي أسسوه، خصوصاً الجيش الباكستاني الذي حرمهم منه اعتراض برلماني صارم. وكانت ضخامة العتاد العسكري من عوامل الافتتان والثقة بالنفس، إلى أن حلت الصدمة، ونجح عدوهم في أن ينتف ريش الطاووس.

إن الخطة في ما تبين، بنيت على احتمالات وتمنيات، وليس على معطيات واقعية، ومن ثم فإن استراتيجية الحرب كانت ضرباً من الخيال الساذج والطائش. وأبعد من هذا، الظن باستخدام استراتيجية فعالة للتعبئة المعنوية تحشد المقاتلين على هدف مقدس.
غير هذا، فإن الحوثي مارس اختراقاً ناجحاً وتدميراً من الداخل، بدليل تفكك الجيش، وانقسام بعض الأحزاب السياسية بين مؤيد للسلطة الشرعية وموالٍ له، كما أن الأحزاب المنضوية تحت مظلة الشرعية تعلن عن إطار للتحالف واهي الخيوط، بينما تخوض سجالات عنيفة لا توفر مفردات التكفير والتخوين.
وليس غارباً عن الرؤية الإخفاق في فاعلية الاستطلاع وكفاءة الاستخبارات العسكرية. 

إن الشاهد عليه قصف أهداف صديقة أو محايدة. كذلك بدا واضحاً أن الشرعية والتحالف لا يعرفون كيف يفكر الحوثي والمساندون له أولئك الذين يعرفون في ما يظهر من تصرفاتهم كيف يعمل عقل عدوهم.
أقول من هنا.. إن الحوثي ربح نصف الحرب، والنصف الثاني ربحته إسرائيل والدول الغربية. إن الشعب اليمني هو الخاسر الأكبر، فإن نذر التقسيم مرئية في الأفق، وأهوال ما بعد العاصفة تخفي وراء الغيوم مقادير ومصائر مرعبة.
أقول أيضاً إن السعودية وقعت من شاهق، وتبين أنها نمر من ورق، على حد التعبير الأثير لماو تسي تونغ.
لقد فشلنا أن نجتاز معها النهر.

المصدر: المشاهد نت