ليس تناقضًا بل تمهيدًا.. كيف يُعاد تشكيل المشهد اليمني؟
محمود الطاهر

ما يجري في اليمن اليوم لا يمكن قراءته كحالة ارتباك سياسي أو تناقض في الخيارات، بل بوصفه انتقالًا استراتيجيًا مدروسًا من مرحلة إدارة الانقسام إلى مرحلة إعادة بناء مركز القرار السيادي.
القرارات الأخيرة التي اتخذها مجلس القيادة الرئاسي، وفي مقدمتها إزاحة شخصيات سياسية وعسكرية بارزة، وإحالة عيدروس الزبيدي للمحاكمة بتهمة الخيانة العظمى، تمثل إعلانًا صريحًا بأن مرحلة التسويات الهشة قد انتهت، وأن الدولة قررت أخيرًا الخروج من حالة الشلل الاستراتيجي الذي كبّلها لسنوات.
لماذا الآن؟
هذه التحولات لا تستهدف الجنوب كجغرافيا أو هوية أو مكون اجتماعي، بقدر ما تستهدف مشروعًا سياسيًا مسلحًا حاول فرض نفسه كأمر واقع داخل بنية الدولة.
طوال الفترة الماضية، عاشت الشرعية اليمنية تناقضًا وجوديًا قاتلًا، إذ كانت تقاتل الحوثي بوصفه انقلابًا مسلحًا في الشمال، بينما تحتضن في الوقت نفسه كيانًا مسلحًا ذا مشروع انفصالي في الجنوب.
هذا التناقض لم يكن قابلًا للاستمرار، وكان لا بد من حسمه، لأن أي دولة لا تستطيع خوض معركة وجودية وهي منقسمة على ذاتها وعاجزة عن توحيد خطابها السيادي.
التوقيت ليس عشوائيًا.. فقد جاء القرار في لحظة تقاطع ثلاث متغيرات استراتيجية، وهي نضج التشكيلات العسكرية الموالية للدولة، وتراجع الرغبة الإقليمية في دعم مشاريع التفكيك، وانكشاف حقيقة المشروع الانفصالي أمام القواعد الشعبية في الجنوب نفسه.
من السياسة إلى السيادة
إزاحة الزبيدي وإحالته للمحاكمة ليست مجرد إجراء قانوني أو عقوبة شخصية، بل رسالة سياسية واستراتيجية داخلية وخارجية بأن الدولة استعادت تعريف الخط الأحمر.
الخيانة هنا لا تُقرأ بوصفها توصيفًا انفعاليًا عاطفيًا، بل توصيفًا سياديًا دستوريًا يُسقط أي غطاء سياسي أو قانوني عن المشروع الذي مثّله، وبهذا القرار، لم يعد المجلس الانتقالي طرفًا شريكًا في السلطة، بل كيانًا خارج إطار الدولة ومنظومتها القانونية، وهو تحول استراتيجي يغيّر قواعد اللعبة بالكامل في الجنوب، ويعيد رسم خارطة التحالفات.
الرسالة الأعمق تتجاوز شخص الزبيدي لتصل إلى كل القوى المسلحة والسياسية في اليمن، لم يعد هناك مجال للمناورة على حساب الدولة، ولم تعد التسويات الداخلية بديلًا عن الخضوع لمنظومة الدولة القانونية.
تراكم استراتيجي لا ارتجال تكتيكي
في هذا السياق، تبرز أهمية التحركات العسكرية المصاحبة، ولا سيما انتشار تشكيلات مثل درع الوطن وألوية العمالقة في عدن ومحيطها، و”هي شكيلات ليست نتاج لحظة طارئة أو استجابة انفعالية لتطورات آنية”، بل نتيجة تراكم استراتيجي طويل المدى، بُني على عقيدة عسكرية وسياسية واضحة.
يضاف إلى تلك القوات، المقاومة الوطنية، جميعها لا تؤمن بفكرة السلام مع الحوثي بوصفه شريكًا سياسيًا قابلًا للتعايش، ولا ترى في التسويات الجزئية حلًا دائمًا مستدامًا، بل تعتبر أن أي سلام لا يُبنى على كسر المشروع الحوثي العسكري والسياسي سيظل سلامًا مؤقتًا قابلًا للانفجار في أي لحظة.
هذه التشكيلات تمثل نموذجًا جديدًا في الحالة اليمنية، قوات ذات ولاء مؤسسي للدولة، لا لشخصيات أو مناطق، وهي تحمل رؤية استراتيجية طويلة المدى تتجاوز المصالح الضيقة، وجودها في عدن اليوم أو أي منطقة ليس احتلالًا ولا تدخلًا، بل استعادة للدولة سيطرتها على عاصمتها المؤقتة، وإعادة احتكار القوة المشروعة.
صمت استراتيجي لا ضعف تكتيكي
هنا تبرز المفارقة الاستراتيجية التي يلاحظها المراقبون، والمتمثلة في سلوك الحوثي “الهادئ” أو المتريث رغم كل ما يجري من تحولات جذرية في معسكر خصومه.
هذا السلوك لا يعكس ضعفًا عسكريًا، ولا قبولًا ضمنيًا بالمسار السياسي الجديد، بل يعكس قراءة دقيقة واحترافية للمشهد الاستراتيجي.
الحوثي، الذي اعتاد استغلال الخلافات داخل معسكر خصومه كورقة رئيسية في معادلة الصراع، يدرك تمامًا أن ما يجري اليوم ليس فوضى أو انقسامًا جديدًا، بل عملية ضبط داخلي منظمة تعيد توحيد القرار السياسي والعسكري في معسكر الشرعية.
أي تحرك حوثي متهور في هذه اللحظة الحرجة قد يؤدي إلى نتيجة عكسية استراتيجية، تتمثل في توحيد خصومه المنقسمين ومنحهم المبرر الداخلي والإقليمي والدولي لبدء مرحلة مختلفة نوعيًا من الصراع، تكون الدولة فيها موحدة الصف والرؤية، لذلك، فإن صمت الحوثي اليوم هو حسابات استراتيجية باردة، لا رضوخ أو قبول، بل انتظار للحظة أكثر ملاءمة.
كشف النوايا
رفض الحوثي للحوار إلا بشروطه القصوى، التي تعني عمليًا استسلام الدولة وتسليم اليمن بالكامل، يؤكد أن الجماعة لا تبحث عن سلام عادل قائم على التوافق الوطني، بل عن تثبيت انقلابها كأمر واقع نهائي لا رجعة فيه، ومع ذلك، فإن إظهار الشرعية استعدادها للحوار في هذه المرحلة الحرجة لا ينبغي فهمه كتنازل أو ضعف، بل كتكتيك سياسي محسوب بعناية.
الحوار هنا ليس هدفًا بحد ذاته ولا إيمانًا بجدواه في هذه المرحلة، بل أداة استراتيجية لكشف حقيقة موقف الحوثي أمام المجتمع الدولي والرأي العام اليمني والإقليمي، وتجريده من أي ذريعة يمكن أن يستخدمها لتأجيل الحسم أو تحميل الآخرين مسؤولية استمرار الحرب، بمعنى آخر، الحوار اليوم هو سلاح سياسي لحصار الحوثي دبلوماسيًا، وإعداد الأرضية الأخلاقية والقانونية لأي مواجهة مقبلة.
تحول فلسفة الصراع
اللافت استراتيجيًا أن ما يجري اليوم يعكس تحولًا عميقًا في فلسفة إدارة الصراع داخل معسكر الشرعية، فبدلًا من محاولة إرضاء جميع الأطراف المتناقضة، ولو على حساب الدولة ومؤسساتها، هناك اتجاه واضح وحاسم لتحديد من هو داخل مشروع الدولة ومن هو خارجها، من يقبل بسيادة القانون ومن يرفضها.
هذا التحول الفلسفي، رغم كلفته السياسية والأمنية المرتفعة في المدى القصير، يُعد شرطًا أساسيًا لا مفر منه لأي استقرار مستقبلي حقيقي.
الدرس الاستراتيجي واضح، لا يمكن بناء دولة مستقرة بوجود مشاريع مسلحة متناقضة تتقاسم الجغرافيا وتتصارع على الشرعية وتحتكر القوة في مناطقها، الاختيار اليوم هو بين دولة واحدة موحدة، أو استمرار حالة الكانتونات المسلحة التي تتقاسم المسمى دون المضمون.
البعد الإقليمي
من زاوية إقليمية استراتيجية، لا يمكن فصل هذه التحولات الداخلية عن إعادة ترتيب أوسع في المقاربة الإقليمية والدولية للملف اليمني، فاليمن لم يعد ساحة مفتوحة لتجارب التفكيك والمشاريع الموازية، بل بات استقراره ضرورة إقليمية ودولية ملحة مرتبطة بأمن البحر الأحمر والملاحة الدولية والاقتصاد العالمي.
هذا التحول في الرؤية الإقليمية يفسر تراجع شهية بعض الأطراف الإقليمية للمغامرات غير المحسوبة ودعم مشاريع التفكيك، مقابل دعم واضح لمسار يعيد الاعتبار لمفهوم الدولة المركزية، حتى وإن كان ذلك عبر قرارات صادمة ومؤلمة في المدى القصير.
المصلحة الإقليمية اليوم تتقاطع مع المصلحة الوطنية اليمنية في نقطة واحدة، “دولة مستقرة قادرة على ضبط أراضيها وحدودها”.
الاختبار الشعبي
على المستوى الشعبي، تمثل هذه المرحلة اختبارًا حقيقيًا ومصيريًا لثقة المواطنين بالدولة ومؤسساتها، فإذا نجحت السلطة في تحويل هذه القرارات الاستراتيجية إلى واقع ملموس محسوس، عبر تحسين الأمن والخدمات الأساسية وضبط السلاح الفوضوي وإعادة هيبة القانون، فإن الرأي العام سيمنحها فرصة جديدة وشرعية شعبية متجددة.
أما إذا تحولت القرارات إلى مجرد صراع نخب على السلطة والنفوذ، دون انعكاس إيجابي على حياة الناس اليومية، فإن خيبة الأمل ستتعمق بشكل خطير، وستجد القوى المعادية للدولة فرصة ذهبية جديدة لإعادة إنتاج الفوضى وتعميق الانقسام تحت عناوين شعبوية، ولا بد من أن نحذر من استغلال الانتصارات الحالية، لتفعيل “صراع نخب على السلطة والنفوذ”.
الخلاصة:
اليمن يعيش اليوم لحظة فاصلة تاريخية ومصيرية، ما يجري ليس تناقضًا بين خطاب السلام والاستعداد للحرب، بل ترتيب استراتيجي واعٍ ومدروس لمرحلة قادمة، قد تكون أكثر صعوبة وتعقيدًا لكنها أكثر وضوحًا في الرؤية والأهداف.
الخيارات باتت محددة بوضوح، إما أن يُفرض سلام عادل بشروط الدولة واستعادة سيادتها الكاملة، أو تُفرض مواجهة شاملة مختلفة في طبيعتها وأدواتها ونتائجها عمّا سبق، وفي كل الأحوال، فإن مرحلة إدارة الانقسام والتسويات الهشة قد انتهت بلا رجعة، وبدأت مرحلة إدارة الصراع على أساس منطق الدولة ومؤسساتها، لا على أساس التوازنات المؤقتة والتسويات الهشة.
هذا هو جوهر اللحظة الراهنة.. ترتيب استراتيجي قبل العاصفة، لا هروبًا منها، بل استعدادًا واعيًا لها.
- محمود الطاهر- كاتب صحفي ومحلل سياسي





